محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

177

الآداب الشرعية والمنح المرعية

وابتدأني بالمصافحة ، ورأيته يصافح الناس كثيرا . وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري : دخلت على أحمد بن حنبل أسلم عليه فمددت يدي إليه فصافحني . فلما خرجت قال : ما أحسن أدب هذا الفتى لو انكب علينا كنا نحتاج أن نقوم ، وصافح حماد بن زيد ابن المبارك بيديه . واحتج البخاري بقول ابن مسعود علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد كفي بين كفيه فتصافح المرأة المرأة والرجل الرجل والعجوز والبرزة غير الشابة فإنه يحرم مصافحتها للرجل ذكره في الفصول والرعاية ، وقال ابن منصور لأبي عبد الله : تكره مصافحة النساء ؟ قال : أكرهه . قال إسحاق بن راهويه كما قال وقال محمد بن عبد الله بن مهران إن أبا عبد الله سئل عن الرجل يصافح المرأة قال : ولا وشدد فيه جدا ، قلت : فيصافحها بثوبه ؟ قال : لا ، قال رجل : فإن كان ذا محرم قال : لا ، قلت : ابنته ؟ قال : إذا كانت ابنته فلا بأس . فهاتان روايتان في تحريم المصافحة وكراهتها للنساء ، والتحريم اختيار الشيخ تقي الدين وعلل بأن الملامسة أبلغ من النظر ، ويتوجه تفصيل بين المحرم وغيره ، فأما الوالد فيجوز . وفي صحيح البخاري في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم أن أبا بكر اشترى من عازب رحلا فحمله معه ابنه البراء رضي الله عنهم قال البراء : فدخلت مع أبي بكر على أهله فإذا عائشة ابنته مضطجعة قد أصابتها حمى فرأيت أباها يقبل خدها وقال : كيف أنت يا بنية " 1 " ، ورواه أحمد ومسلم ، وذكر صاحب النظم : تكره مصافحة العجوز وتجوز مصافحة الصبي لمن يعلم من نفسه الثقة إذا قصد تعليمه حسن الخلق ذكره في الفصول والرعاية . وقال الشيخ تقي الدين كلام الثوري وغيره يمنع ذلك ، والمصافحة أشر من النظر . وتباح المعانقة وتقبيل اليد والرأس تدينا وإكراما واحتراما مع أمن الشهوة ، وظاهر هذا عدم إباحته لأمر الدنيا ، واختار بعض الشافعية ، والكراهة أولى وكذا عند الشافعية تقبيل رجله ، وقال المروذي : سألت أبا عبد الله عن قبلة اليد فقال : إن كان على طريق التدين فلا بأس قد قبل أبو عبيدة يد عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وإن كان على طريق الدنيا فلا ، إلا رجلا يخاف سيفه أو سوطه . وقال المروذي أيضا : وكرهها على طريق الدنيا وقال تميم بن سلمة التابعي : القبلة سنة ، وقال مهنأ بن يحيى رأيت أبا عبد الله كثيرا يقبل وجهه ورأسه وخده ولا يقول شيئا ، ورأيته لا يمتنع من ذلك ولا يكره ، ورأيت سليمان بن داود الهاشمي يقبل جبهته ورأسه ولا يمتنع من ذلك ولا يكرهه ورأيت يعقوب بن إبراهيم يقبل وجهه وجبهته ، وقال عبد الله بن أحمد : رأيت كثيرا من العلماء والفقهاء والمحدثين وبني هاشم وقريش والأنصار يقبلونه - يعني أباه - بعضهم يديه وبعضهم رأسه ، ويعظمونه تعظيما لم أرهم يفعلون ذلك بأحد من الفقهاء غيره ، لم أره يشتهي أن يفعل به ذلك .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 3917 ) ومسلم ( 2009 ) وأحمد ( 1 / 2 ) . الآداب الشرعية / ج 2 / م 12